عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

216

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً » الجعل بمعنى : التصيير ، و « غثاء » مفعول ثان ، والغثاء : قيل : هو الجفاء ، وتقدم في الرعد « 1 » ، قاله الأخفش « 2 » وقال الزجاج : هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود « 3 » ، ومنه قوله : « غُثاءً أَحْوى » « 4 » وقيل : كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به « 5 » ، وبه يضرب المثل في ذلك ولامه واو ، لأنه من غثا الوادي يغثو غثوا ، وكذلك غثت القدر ، وأمّا غثيت نفسه تغثي غثيانا ، أي : خبثت . فهو قريب من معناه ، ولكنه من مادة الياء « 6 » . وتشدد ( ثاء ) الغثاء ، وتخفّف ، وقد جمع على أغثاء ، وهو شاذ ، بل كان قياسه أن يجمع على أغثية ، كأغرية ، وعلى غيثان ، كغربان ، وغلمان « 7 » وأنشدوا لامرىء القيس : 3798 - من السّيل والغثّاء فلكة مغزل « 8 » بتشديد الثاء ، وتخفيفها ، والجمع ، أي : والأغثاء . قوله : « فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » « بعدا » مصدر يذكر بدلا من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم ، والأصل : بعد « 9 » بعدا وبعدا نحو رشد رشدا ورشدا « 10 » وفي هذه اللام قولان :

--> ( 1 ) عند قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً [ الرعد : 17 ] . وذكر ابن عادل هناك : والجفاء : قال ابن الأنباري المتفرق ، يقال : جفأت الريح السحاب ، أي : قطعته وفرقته ، وقيل : الجفاء ما يرمي به السيل يقال : جفأت القدر بزبدها تجفأ من باب قطع ، وجفأ السيل بزبده وأجفأ وأجفل باللام . انظر اللباب 5 / 100 . ( 2 ) قال الأخفش : الغثاء والجفاء واحد . وهو ما احتمله السيل من القذر والزبد . انظر قول الأخفش في البحر المحيط 6 / 393 ، وهو غير موجود في معاني القرآن . ( 3 ) معاني القرآن وإعرابه 4 / 13 . ( 4 ) من قوله تعالى : فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [ الأعلى : 5 ] . ( 5 ) انظر البحر المحيط 6 / 393 . ( 6 ) انظر اللسان ( غثا ) . ( 7 ) لأن ( فعال ) لا يجمع على ( أفعال ) ، وإنما يجمع جمع قلة على أفعلة لأنه رباعي قبل آخره مد ، فهو يساوي في القلة فعال - بالفتح - وفعال - بالكسر - ك ( زمان ) أزمنة ، و ( مكان ) أمكنة ، و ( حمار ) أحمرة ، و ( خلال ) أخلّة . وبابه في الكثير ( فعلان ) كغلمان ، وغربان ، وخرجان وذبّان . شرح الشافية 2 / 128 - 129 . ( 8 ) عجز بيت من بحر الطويل ، قاله امرؤ القيس ، وهو من معلقته ، وهو في الديوان ( 25 ) ، والكشاف 3 / 48 ، وشرح شواهده ( 99 ) . ( 9 ) في ب : بعدا . وهو تحريف . ( 10 ) « بعدا » من جملة المصادر التي قال سيبويه إنها نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ، ومنها : سقيا ، ورعيا ، وخيبة . حيث قال : ( إنما ينتصب هذا وما أشبهه إذا ذكر مذكور فدعوت له أو عليه ، على إضمار الفعل ، كأنك قلت : سقاك اللّه سقيا ، ورعاك اللّه رعيا ، وخيّبك اللّه خيبة ، فكل هذا وأشباهه على هذا ينتصب . وإنما اختزل الفعل ههنا ، لأنهم جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل ، كما جعل الحذر بدلا من احذر . وكذلك هذا كأنه بدل من سقاك اللّه ، ورعاك اللّه ، ومن خيّبك اللّه ) الكتاب 1 / 311 - 312 . وانظر أيضا الكشاف 3 / 48 ، تفسير ابن عطية 10 / 358 ، البحر المحيط 6 / 406 .